ربما تتنفس الكلمات شيء من وجع الغربه .. فالى مدينتي الوادعة والتي تنام بهدوء على شواطيء دجله  فتح نافذه لادباءها  (بمنتدى الواسطي ) عسى ان نوفيها شيئا من الحب 

        


نشيج العاصفة

كتبهاmuhsin aldahabi ، في 7 يونيو 2008 الساعة: 22:55 م

قصة قصيرة
نشيج العاصفة
اسماعيل سكران
 
الريح تصدح مخترقة اغصان الاشجار العملاقة في حدائق المنازل المجاورة لسكني، وتصفع جدران البنايات السكنية بتهور جامح، الظلام ينسكب ممتزجاً بوهج فضي واهن في جوف الشارع، العتمة اشد حضوراً من الضوء في كل مكان من المدينة، فالوقت منتصف الليل، والانوار مطفأة الا من بقايا حزم شاحبة تفر من خلال زجاج نوافذ البيوت وشقوق ابوابها. الريح تزمجر بصوت يشبه العويل فتثير في نفسي الضيق والتبرم ارفع بصري نحو الفضاء مستنجدا به عنه يكشف لي عن وجه الفجر، ما كان بمقدوري ان افعل اي شيء في مثل هذا الوقت، ففي هذه الليلة العاصفة توفي اخي الذي يكبرني باربعة اعوام، وهو لم يزل شابا لم تسعفني قدراتي الشخصية على التصرف وفق اي منطق ازاء هذه الحالة المركبة والتي لم اختبر مثيلا لها من قبل كما ان سوء الاحوال الجوية وخلو المدينة من حركة وسائل النقل في مثل هذا الوقت قد ضاعفا من عجزي عن الاتيان باي مبادرة سوى الاتصال عبر هاتفي النقال ببعض الاقارب والاصدقاء لابلغهم بالخبر، دون ان اسمح لاحدهم بالمجازفة بالمجيء الى شقتنا لتقديم العون لي بسبب رداءة الجو وانعدام الامان في الشارع حيث قطاع الطرق والاعمال الارهابية. الامطار جعلت كل شيء مضطرباً في الخارج لكن الشقة رغم كآبتها الا انها لم تزل تتمتع بالامان رغم ذلك. كنت قبلا قد اضطلعت بمهمة ارقاد اخي المتوفى في سريره وتغطيته بالملاءة البيضاء بينما كان شعاع الضوء الخابي يلون الغرفة بشحوب حزين، وانا اجلس منتظرا بزوغ الفجر الرطيب. والرذاذ البارد يتطاير مرتطما بزجاج نافذة صالة الشقة، مخترقا شتلات الورد في الشرفة ليبعثرها. الصمت في داخلي يثير الهلع في نفسي وانا متوحد مع جثة اخي، وبين حين وآخر، كنت ازيح الشرشف عن وجهه لاحدق في قسماته التي استراحت من عناء الدنيا يغلفها سكون عميق رغم صخب الريح والشجر والمطر. لا شيء يمكنه ان يعينني على تجاوز محنتي، سوى اللجوء الى ممارسة لعبة الافعال الهروبية التي اقوم بها بين حين وآخر لقتل السأم والوقت في آن واحد، فكنت مثلا انهض من مكتبي لا تحول الى مكان آخر من الشقة لاداري انصرام الوقت بتأمل محتويات الشقة على الرغم من انني اراها كل يوم، ازجي الوقت باحراق التبغ والانصات الى القصف الوحشي للرعد وهو يخترق صمت الشقة ويبدد سكون حواسي الحزينة، ثمة قطبان متنافران، صخب في الخارج، وصمت في الدخل، لكنني اكتشف عقم مواصلة لعبة الافعال الهروبية، فليس بوسع ذلك ادخال الامان الى نفسي، فلحظات الواقع هي الاشد حضورا من كل الوسائل الاخرى. لابد لي من الركون الى البحث عن وسيلة ما، لمعالجة الموقف كطلب مساعدة ما لكنني لا استطيع ايقاظ احد من سكان العمارة في مشهد صاخب كهذا، ناموا منذ وقت طويل رغم عصف الريح والمطر. لا فائدة من ايقاظ احد فالاموات يمكنهم الانتظار حتى بزوغ الفجر. الرياح تزداد هياجا فتناطح جدران البناية وكانها تهم باقتلاعها انصت اليها مجبراً كما انصت الى دقات الساعة الجدارية وهي تضرب ثلاثا لتحرك الزمن الراكد، العتمة تمتطي فوق هامات الاشجار التي احنتها الريح دون ان تعبأ بمعاناتي ورغبتي في زوالها فما من شيء يمكن ان يخلص روحي من هذه المحنة سوى طلوع الفجر وهو ينثال بهدوء ليوقظ الحياة من غفوتها. اعود لممارسة لعبة الافعال الهروبية، فاستدعي من ذاكرتي، الايام الزاخرة بالصخب والجنون بين جدران هذه الشقة الصغيرة لفيف من الصحاب يتسامرون بلا كلل اجساد هرمة واخرى شابة، رؤوس صنعاء واخرى كثة الشعر، يأخذها الليل يدرج بها بعيدا في دروبه القاتمة ليال محببة الى النفس ما زال صداها يربك ذاكرتي، وكانني ارى اطباق الطعام وقد صفت على المائدة البلاستيكية تحت ذؤابة ضوء الشمعة التي تنفث غازها يتحلق جمع من الاصدقاء، يشربون وهم ينصتون الى عزف عوده وغنائه، سيظلون من بعد موته، يتذكرون ذلك الصخب المتناغم ورفيف صوت موسيقاه في ليالي الشتاء. اعتدلت في جلستي فوق الاريكة فتحت ازرار معطفي، استخرجت سيجارة وانا اشعر برغبة لاطلاق كل مخزون ذكرياتي لاتخلص منها دفعة واحدة، ما نفع الذكريات اذا كانت مجرد مثير للالم، لكنني لم افعل، لا رغبة عندي في أي شيء سوى ان ينجلي كل هذا الركام، ومن مكاني فوق الاريكة، كنت احدق في الجسد المسجى امامي، انهض لازيح الشرشف عن وجهه. ربما لاتأكد من ان ما جرى هو واقع وليس شيئا من الاحلام، وانهض واقترب من نافذة الغرفة محدقا عبرها في فسحة الظلام المبلل برذاذ خفيف وهواء رطب ما كان بمقدوري ان اشعر بالحزن، ربما يعود السبب في ذلك الى كثرة تشابك مشاهد الموت في شوارع بلادنا، جثث مقطعة الاوصال وبنايات تحترق اشعلت سيكارة اخرى وانا انصت الى صخب العاصفة، انهض، اعدل من وضع الشرشف فوق جسد اخي ثم اذهب لاقف وراء النافذة، اغادر الغرفة الى الصالة لانظر عبر نافذتها متضرسا في الظلام الضاج بالريح والمطر، استمع الى زمجرة الامطار وهي تضرب سطح البناية، وانا اجلس منتظرا موت الزمن وفي سكون اخرس، عله يسفر عن بياض الفجر الباهت، تحت سماء حبلى بالغيوم السود تتناثر امامي صور من نسيج حياة اخي الصاخبة، حفلاته العبثية حتى بزوغ الفجر، زياراته الاسبوعية الى الكنيسة برفقة جارته، جلساته الليلية حتى ينقطع التيار الكهربائي حيث يتخذ مجلسه عند مدخل العمارة فوق دكة اسمنتية قرب سياج الورد، يحتسي الجن ويسرد الحكايات على مسمع جيرانه يلقي طرائفه فيثير ضحكهم ويكسب ودهم. الطبيعة في هذه الليلة ارادت ان تحاكي حياته رغبت في الاحتفال بتوديعه بصخب يوازي ضجيج حياته فاطلقت مزامير رعدها ولن تهدأ حتى تشيعه الى مثواه الاخير. اعادتني دقات الساعة الجدارية الى حالة المواجهة الحزينة. عقاربها تشير الى الخامسة الفجر قريب الولادة اشعل لفيفة تبغ، اتطفل بالنظر الى الرسوم الكنسية المعلقة فوق الجدار، لوحة المسيح وامه مريم، واخرى للمسيح مصلوبا في مكان يدعى الجلجأة واخرى منهكة، تضم اخي وصديقته في متنزه يطل على دجلة بجانبها علق بعناية العود الذي يعزف عليه، فيذكرني بكل ليالي الشتاء الباردة ليدخلني في دوامة مشاغله العاطفية، واستمع اليه وهو يعزف ويغني. وفي صباح ما. اكتشفت ان مرضا قد تسلل الى جسده الفتي، وبعد اجرائه لبضعة تحليلات تبين لنا في النهاية انه مصاب بعجز الكليتين، اقعده عاما قام خلاله بمراجعة مركز الكلية الصناعية لغرض الخضوع لعملية غسيل الكلى بغية التخلص من نسبة اليوريا في الدم. ايقضتني دقات الساعة لقد غفوت قليلا، تسلل نور الفجر الباهت واضاء محتويات الشقة، حتى تلك اللحظة كنت مرهقا، مسهدا، عدت الى غرفة اخي ازحت الغطاء، ونظرت الى هذا الكائن الذين قدر له ان يقضي جل حياته، حسيا بلا حدود، اعدت الغطاء على وجهه الشاحب وشعرت بالمرارة، سيأتي معارفي الذين ابلغتهم بالخبر، لابد لي من القيام بالتحضيرات اللازمة قبل وصولهم، فالفجر قد انشق وتسلل الى شوارع المدينة، ولكن الريح لم تزل تصخب في الطرقات، فتحت باب الشقة لاغير هواءها سأمضي بقية حياتي اسير حياة الوحدة طاويا اياهما على نتف من ذكريات امضيتها معه، اغذ خطوي نحو ادغال موحشة، وانا في غمرة نشيجي الصامت المنهك، تسلل نور الفجر الباهت واضاء محتويات الشقة، نظرت للمرة الاخيرة الى الوجه الوسيم لاخي ومازالت الريح تدوم بين الاشجار وتصدم جدران البنايات بعناد اخرق، تسللت خارج الشقة، وخيمة الظلام تنداح بعيداً، وضوء الصباح يطل ليظلل وجوه الناس المتسارعة الى اعمالها والريح تصفر في ذلك الفجر الحزين، اوقفت سيارة اجرة وشرحت الموقف للسائق، وعدنا الى الشقة بانتظار وصول معارفي ليساعدوني في نقل الجثمان الى مرقده الاخير. لن انسى ابدا وقائع تلك الليلة الحزينة.
 
 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر