ربما تتنفس الكلمات شيء من وجع الغربه .. فالى مدينتي الوادعة والتي تنام بهدوء على شواطيء دجله  فتح نافذه لادباءها  (بمنتدى الواسطي ) عسى ان نوفيها شيئا من الحب 

        


الكوت ..مدينتي التي خربوها

كتبهاmuhsin aldahabi ، في 7 فبراير 2007 الساعة: 17:59 م

 

الكوت مدينتي التي خربوها

  

  نجم خطاوي

 

           قبل أن تسنح لي الفرصة في زيارة وطني بعد زوال الدكتاتورية , لم تكن الأحلام الوردية هاجسي , ولم أكن رومانطيقيا يحلم بتلك المدينة التي بنى صورتها في مخيلته الشعرية . كان حلمي أن أرى على أقل تقدير شئ ما يشبه مدينتي التي تركتها قبل ربع قرن ( كم يبدوا من السهل احتساب الزمن بالقرون وليس بالسنوات ) . كنت أرسم صورا مختلفة لشكلها وللحال الذي حل بها بعد كل هذه السنوات , وكانت الرسائل والهواتف وحدها وعلى شحتها وتباعدها زادي ومعيني .

          لقد تحسبت للصدمة , مستعينا بفكرة قديمة تعلمتها من تجارب الأيام التي مرت بي , وهي الحساب بمنظار أسوء الاحتمالات . ولكن حساب أسوء الاحتمالات هذا تلاشى تماما وأنا أتطلع باكيا ومندهشا للخرائب والركام والفوضى والسواد, وقد صارت مكونات لتلك المدينة التي تركتها يوما ما جميلة هادئة .

        قال صاحبي الذي أوصلني من بغداد بسيارته  :

-         وصلنا العزيزية  … هل تريد أن تشرب شايا ؟

قلت نعم , وأدعوك على وجبة ( معلاك أو كلاوي ) ….

( مدينة العزيزية تقع في منتصف الطريق الذي يصل مدينة بغداد بمدينة الكوت . وقد ألف المسافرون القادمون من بغداد والمتجهون نحو مدن الكوت ,العمارة ,البصرة , والناصرية, الوقوف في مقاهيها ومطاعمها الشعبية التي تمتد على طول شارعها الرئيسي , للراحة وتناول الطعام , وبعدها بالتأكيد شرب الشاي الأسود الساخن والحلو) .

فاجأني صاحبي بضحكته وتندره مني قائلا :

-         ياعزيزية يا بطيخ … هذه الكوت مدينتك , وهذا ( عكد العلوة ) , وهذا دكان أبيك …

 

( كنت طوال الطريق من العاصمة بغداد وحتى وصولنا الكوت, شارد الفكر كالمجنون , متشرنقا بأحلامي وكتل الخواطر والأفكار التي غزت داخلي , متخيلا اللحظة التي سأقابل بها أمي بعد ربع قرن من عمري . ولم أكن أعرف بالتحديد لماذا كنت أفكر في تلك اللحظات بأمي والنهر , راسما صورا مختلفة لهما . لقد أوقعني صاحبي بمكيدته, بعد أن انهال علي بوابل أسئلته عن السويد وحالها , عن اللاجئين وكيفية العيش في بلاد الغربة , حتى أنساني لحظة التمتع بمشاهدة لحظة وصول المدينة ) . 

تقرب بعض أصدقاء أبي من أصحاب الدكاكين الذين تجاور دكاكينهم دكانه , متطلعين نحوي بلهفة واندهاش غير مصدقين ما تراه عيونهم …

-         هل هذا نجم …  ؟

سأل أحدهم مندهشا

-         نعم هو هذا نجم ابن عبد ……

أجاب صاحبي وهو يتطلع إليهم , وكيف أقبلوا يعانقوني محيين بالسلام والود .

قال أحدهم وبعد أن أمطروني بعشرات الأسئلة , ولم يلبث على وصولي المدينة دقائق قليلة …

-         ها… قل لنا كيف ترى الكوت بعد كل هذه الغيبة الطويلة  ؟

خمنت وقتها بأنهم كانوا يعرفون بالتمام والكمال الجواب على ما سألوني ….

 مرت لحظة صمت ثقيلة , وقفت فيها متطلعا إلى ( الساحة الحسينية ) , مديرا رأسي دورة كاملة صوب ( شاطئ دجلة ) , كما يفعل مصوري الأفلام , ثم تذكرت بأنهم في انتظار الجواب .

-         اعذروني , فأنا لا أرى سوى الخرائب . 

         لا أعرف بالضبط متى أزالوا من خريطة المدينة تلك, هذه الحديقة الجميلة ( حديقة علي حيوان ) , وهي الحديقة التي تتوسط منطقة ( الساحة الحسينية ) وسط المدينة !

        أما كانوا يعرفون بأن الدخول لهذه الحديقة كان حلما لنا نحن الصغار الحالمين بأشجارها العالية وورودها وخضار ياسها وملوسة عشبها الأخضر!

 كانت هذه الحديقة تزهي وسط المدينة , يرعاها فلاح قاسي القلب على الذين يريدون العبث بها , طيب القلب مع أغصانها وورودها . 

         في اليوم التالي خرجت مبكرا صوب الأماكن التي عشقتها في صباي وفتوتي , وبدأت من ( حديقة المتصرف ) . وقد سميت بهذا الاسم لمجاورتها دار سكن المتصرف . ولكن يا للعجب أين اختفت شتلات الجوري الأحمر والأبيض والوردي , الكثيرة التي كانت تصطف على طول ممراتها الأربعة !

أين أنبوب الماء الكبير الذي كان يجري طوال العام قرب مدخلها العالي , وكنا يومها نروي منه الظمأ, لاهين كالأطفال بالماء !  

        هذه الحديقة كنا نقدم إليها من حاراتنا الشعبية للدراسة والتحضير أيام الامتحانات المدرسية , وهي لا تبعد سوى أمتار عن نهر دجلة , ولا يمكن التصديق بأن يبوسة أشجارها والإهمال الذي لاقته سببه شح الماء فقط .

    قلت لأصبر قليلا , واتجهت صوب كورنيش المدينة باتجاه الجنوب , مفكرا بولوج نقابة المعلمين للتمتع بمشاهدة حديقتها الرائعة . ولكن لا حديقة ولا هم يحزنون …  لقد حولوها إلى دكاكين بعد أن اقتلعوا أخضرها ويابسها .

  وخرجت حزينا باتجاه حديقة النافورة ( 14 رمضان ) المجاورة لبناية نقابة المعلمين , الحديقة التي كانت تجاور بيتنا القديم , وهو مكاني المفضل للجلوس والنزهة والقراءة أحيانا عصاري الصيف .. ولكن لا وجود للحديقة ….

    كنت أظن بأني ربما أتخيل أمكنة لا وجود لها أساسا في مدينتي هذه , ولكن أخي الذي زاملني نزهتي تلك قطع اليقين بالشك ..

-         أنا أعلم عن ماذا تبحث…. لقد خربوها تماما وألغوها مقيمين مكانها مأربا للسيارات كما تشاهد ….

             فكرت في البستان القريب من حارتي القديمة ( سيد نور ) ……. كنا في الطفولة ندخله متسللين أحيانا لذوق بعض فاكهته , وفي أيام الامتحانات الدراسية مستظلين بفيئه , وكنا أحيانا نسرق في صبانا بعض الليمون الحامض معرضين أنفسنا لمطاردة رهيبة من قبل فلاحي البستان القساة .  واتجهت جنوبا للتمتع بقامات النخل الباسقة وشجرات الليمون والبرتقال التي كانت تملأ المكان بالخضرة والعطر الفواح الطيب . ولم يخبرني أخي , خوف أن يسبب في زيادة توجعي , بأن البستان ( بستان ابن عاكوله ) , وهكذا كنا نسميه , قد أبدلوه بمدينة ألعاب بعد أن نحروا المئات من نخلاته وشجراته . وحين دخلنا مدينة الألعاب تلك فوجئت بشجراتها اليابسة وثيلها الذي يبكي العطش .

-         لقد سرقوا بعد 9 نيسان هذا العام كل شئ فيها … وحتى الحصان الخشبي ودواليب الهوى , بل حتى أرائك الجلوس …… وووووو

قالها أخي بحرقة وألم لكونه المهندس الذي أشرف على بناء هذه الحديقة .

    منيت نفسي بأن النافورة المجاورة للدار التي سكناها يوما في منطقة ( الحاوي ) لا تزال ترش الماء بكل الجهات , ولكن ظني خاب أيضا هذه المرة , ويا لحسرتي , لقد قصوا الشارع مزيلين معهم الحديقة والخضرة .

           وليس بعيدا عن هذا المكان تطلعت والدمعة تملأ عيني إلى فسحة الأرض الكبيرة التي كانت  يوما مسيجة . وكان العمل يجري لتحويلها إلى متنزه كبير, ولكنهم وبدل أن يحولوها إلى متنزه , صارت مكانا لكراج السيارات , وتحول قسم من أرضها إلى سوق للدجاج والخرفان .

وبقي ملاذي الأخير حديقة ساحة 14 تموز التي تزين مدخل المدينة الشمالي , وكانت يوما ملتقى لشباب وشابات المدينة , وللعائلات , أوقات العصر والمساء . ولكن المفاجأة نفسها , فقد تعطلت نافورات الماء الجميلة ويبس العشب واضمحلت الشتلات .   

   ثم فكرت بترك الحدائق والمتنزهات وقررت الذهاب لزيارة سجن الكوت الكبير , مستذكرا فهد ورفاقه , معيدا القصة التي حكاها لي أبي يوما عن هروب الشيوعيين , وكيف استقبل أهل حارتنا الشهيد محمد الخضري ورفيقه  فخري كريم زنكنة , وكيف أخفوهم لأيام في البيوت . ولكن بدل مشاهدة السجن فوجئت بأكوام الدنانير والتومانات والدولارات وكارتونات وعلب الدخان الأجنبية , وهي تفرش المناضد في بورصة عملات وسوق للتجارة , لم أحلم يوما بأنها ستشغل مكان السجن الكبير الذي هدموه تماما ولم يبقوا له دالة تدل عليه . وهو الذي كان يمكن أن يكون مزارا للزوار والباحثين , خصوصا وان المئات من المناضلين قد نزلوا فيه يوما , وقد خضبت دماء الشيوعيين الطاهرة ساحاته ومداخله .

   وقد سببت الإنكليز أيضا , إذ كيف سمحوا لأنفسهم بأن تتحول مقبرة جنودهم الذين ماتوا في معارك الحرب العالمية الأولى مع العثمانيين , وهي المقبرة المجاورة لسجن الكوت , كيف سمحوا بأن تتحول هذه المقبرة إلى ساحة للفضلات والأوساخ , وهي التي كانت يوما مضرب المثل بخضرتها ونظافتها .

    ترى أي عبث ولا أبالية كانا يسيران مصير هذه المدينة  ! وهي على كل حال نموذج مصغر لوطن حكمته عصابة لأكثر من 35 عاما وعاثت فيه فسادا , مخوفة أهله وناسه , كاتمة أفواههم .

       وكم كان حزني أكبر حين فشلت في الوفاء بعهدي الذي قطعته لابنتي التي تركتها في بلاد الصقيع , بأني سأحمل لها صورتي قرب تمثال العامل الذي يتوسط إحدى الساحات في مدينتي , وصورا أخرى قرب تمثال الصياد وشبكته , المجاور لسدة الكوت الرائعة , وقرب الساعة المجاورة لساحة المحافظة , إذ لم يبق عامل ولا صياد ولا ساعة في هذه المدينة .

     إذا كان من الممكن تصور مدينة بلا حدائق !!  فكيف يعقل إزالة تماثيل العامل والصياد والساعة…   !!  وما هي الحجة والسبب  ! هذا إذا كان هناك حجة أو سبب .

       قبل مغادرتي المنفى في تموز هذا العام لزيارة وطني ومدينتي , حكيت لأطفالي عن لذة تمتعي بمشاهدة الأفلام صيفا في السينما الصيفية المفتوحة في المدينة ( سينما سيد سلوم ) أيام مراهقته وفتوتي , وكيف أن المارة على شارع الكورنيش كانوا يسمعون حوارات وموسيقى الأفلام , المنبعثة من فضاء السينما , أثناء نزهتهم .

 كنت أحلم أن أكرر عادة إدمان مشاهدة الأفلام منذ الصغر.

 لقد اختفت سينمات المدينة الأربعة , بما فيها دار العرض الكبيرة القريبة من مشفى المدينة , ولم تبق سوى بوابة هرمة لدار سينما محمد سعيد ( الجمهورية) المجاورة لشاطئ دجلة , وهي تعرض أفلام هابطة بعد أن هجرها زوارها الكثيرون في يوم ما . 

كيف لعاقل أو منطقي يمكنه تفهم كل هذا الخراب الذي حل بهذه المدينة , خصوصا وأن الحرب الأخيرة هدمت فقط بنايات منظمة البعث والأمن والمخابرات , ولم تأت على بقية بنايات وأحياء المدينة !!!

كيف يمكن تصور عدم بناء بناية أو دائرة حديثة أو شوارع مبلطة بعد كل هذه الفترة ! ثم كيف يمكن تصور وجود مدينة بعدد نفوس سيتجاوز النصف مليون قريبا وبدون مجاري لصرف المياه !!!

أما كان يمكن أن يخصص لسكن هذه المدينة جزء من مليارات عدي وقصي لتصفية المياه فيها على الأقل !!!

هنا يتندر الناس بأنهم يشربون المياه من دجلة بعد مروره ببغداد وغيرها وبعد أن ترمى فيه القاذورات والغائط والفضلات من سكان العاصمة والمدن التي يمر فيها.

لقد كان الطغاة يكذبون مدعين بأن الحصار وحده السبب في كل المعاناة , خصوصا بعد هزيمتهم وافتضاح متاجرتهم بقضية الوطن عبر عيشهم في بحبوحة ورخاء تاركين مدن العراق وأهله يعيشون المر والعذاب .

قال الأصدقاء : كيف ترى المستقبل ؟

قلت : أنا متفائل . هذا الوطن ينتظره الخير, إذا تكاتف أهله , وإذا تركه الجيران يرمم بيته لوحده .

    قبل حلول موعد عودتي فرحت كثيرا وأنا أشاهد براميل لجمع النفاية نصبتها بلدية المدينة في أكثر من مكان , مكبلة البراميل بسلاسل شدت إلى الأرض خوفا من سرقتها , وحين عبرت عن فرحتي لأخي وهو يعمل مهندسا في دائرة البلدية , أجابني :

-         لا تتعجل سوف لا يمضي أسبوعا وأنت تشاهدها وهي تتبخر .

خالفته يومها الرأي وقلت بأن الناس لا يمكنها أن تسرق طول الوقت , وهم سرقوا لأسباب مختلفة ….

قبل أيام تكلمت مع أهلي وعبر الهاتف  ,وكانت فرحتي لا توصف وأنا أسمع خبر بقاء البراميل على مكانها وبعد مرور أكثر من شهرين .

  ستبقى هذه البراميل وسيحل اليوم الذي سيشعر الناس فيه بأنها ملكا لهم وأن هذا الوطن وخيراته ملكا لهم أيضا .

 

السويد 6 – 10 - 2003

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “الكوت ..مدينتي التي خربوها”

  1. بارك الله فيك نود الحصول على المزيد



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر